أبي منصور الماتريدي

466

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ويحتمل : لن نؤمن لك أنه إله ، ولا نعبده حتى نراه جهرة عيانا . فاحتج بعض من ينفى الرؤية في الآخرة بهذه الآية « 1 » ؛ حيث أخذتهم الصاعقة لما سألوا الرؤية . قالوا : فلو كان يجوز أن يرى لكان لا تأخذهم الصاعقة ، ولا استوجبوا بذلك العذاب والعقوبة . وأما عندنا ، فإنه ليس في الآية دليل نفى الرؤية ، بل فيها إثباتها . وذلك أن موسى - عليه السلام - لما سئل الرؤية لم ينههم عن ذلك ، ولا قال لهم : لا تسألوا هذا . وكذلك سأل هو ربه الرؤية ، فلم ينهه عنها ، بل قال : فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي [ الأعراف : 143 ] وإذا صرف الوعد لا يجوز ذلك ، لو كان لا يحتمل ؛ لأنه كفر ، ومحال ترك النهى عنه . وكذلك ما روى في الأخبار : من سؤال الرؤية لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم حيث قالوا : أنرى ربنا « 2 » ؟ لم يأت عنه النهى عن ذلك ، ولا الرد عليهم ؛ فلو كان لا يكون لنهوا عن ذلك ومنعوا . وإنما أخذ هؤلاء الصاعقة بسؤالهم الرؤية ؛ لأنهم لم يسألوا سؤال استرشاد ، وإنما سألوا سؤال تعنت . دليل التعنت ، فيما جاء من الآيات ، من وجه الكفاية لمن ينصف ؛ لذلك أخذتهم الصاعقة ، والله أعلم . أو أن يقال : أخذتهم الصاعقة بقولهم : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ، لا بقولهم : حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً . وسنذكر هذه المسألة في موضعها ، إن شاء الله تعالى . وقوله : فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ . قيل : الصاعقة كل عذاب فيه هلاك . لكن الهلاك على ضربين : هلاك الأبدان والأنفس .

--> ( 1 ) الكلام على الرؤية سيأتي عند قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [ الأنعام : 103 ] . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 4581 ) ، ومسلم ( 302 / 183 ) ، عن أبي سعيد الخدري . ومن طريق آخر أخرجه أحمد ( 3 / 16 ) ، وابن ماجة ( 179 ) وابن أبي عاصم ( 452 ) ، وأبو يعلى ( 1006 ) وابن خزيمة ( 169 ) .